أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
227
العقد الفريد
للمناخر ، وأعانت عليهم ريب المنون ، وعقرتهم بالمصائب ؛ وقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها ، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر الأمد . هل زوّدتهم إلا الشقاء ، وأحلّتهم إلا الضنك ، أو نوّرت لهم إلا الظلمة ، وأعقبتهم إلا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون ، أم عليها تحرصون ، أم إليها تطمئنون ؟ يقول اللّه تبارك وتعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » ؛ فبئست الدار لمن لم يتّهمها ، ولم يكن فيها على وجل منها ؛ اعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ ؛ فإنما هي كما نعت اللّه عز وجل : لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ « 2 » . فاتّعظوا فيها بالذين يبنون بكل ريع آية يعبثون ، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ، وبالذين قالوا : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً « 3 » ؛ واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا [ الأجداث ] فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الضريح أكنان ، ومن التراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ؛ فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، إن أخصبوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا ، جمع وهم آحاد ، جيرة وهم أبعاد ، متناءون وهم يزارون ولا يزورون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم ، وهم كمن لم يكن ، قال اللّه تعالى : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ « 4 » استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالآل غربة ، وبالنور ظلمة ، فجاءوها حفاة عراة فرادى ، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة إلى خلود الأبد يقول اللّه تبارك وتعالى : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ « 5 » ، فاحذروا ما حذركم اللّه ، وانتفعوا بمواعظه ، واعتصموا بحبله ، عصمنا اللّه وإياكم
--> ( 1 ) سورة هود الآية 15 و 16 . ( 2 ) سورة الحديد الآية 20 . ( 3 ) سورة فصلت الآية 15 . ( 4 ) سورة القصص الآية 58 . ( 5 ) سورة الأنبياء الآية 104 .